محمد جمال الدين القاسمي

164

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قبلها ، تخللت تضاعيف نظم القصة لمعنى بديع ، وهو البدار إلى الإعلام بنتائج صبر يوسف ، وثمرات مجاهداته ، وعجائب صنع اللّه تعالى في مراداته إذ طوى له المنح في تلك المحن ، وذخر له السيادة في تلك العبودية . ومعنى بَلَغَ أَشُدَّهُ أي زمان اشتداد جسمه وقوته . قال أبو عبيدة : العرب تقول : بلغ فلان أشده ، إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان . و ( الحكم ) إما الحكمة وهو العلم المؤيد بالعمل ، أو الحكم بين الناس . قال الزمخشري : وفي قوله تعالى : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تنبيه على أنه كان محسنا في عمله ، متّقيا في عنفوان أمره ، وأن اللّه آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه . وعن الحسن : من أحسن عبادة ربه في شبيبته ، آتاه اللّه الحكمة في اكتهاله . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 23 ] وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ هذا رجوع إلى شرح ما جرى على يوسف في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه ، من مراودتها له وإبائه . والمراودة : المطالبة . أي : طلبت منه أن يواقعها . وتعديتها ب ( عن ) لتضمينها معنى المخادعة . والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على السر والستر ، وإيراد الموصول دون امرأة العزيز ، لتقرير المراودة . فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك . قيل لامرأة : ما حملك على ما لا خير فيه ؟ قالت : قرب الوساد ، وطول السواد . ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام - كما سيأتي - . و ( هيت ) قرئت ك ( ليت وقيل وحيث ) ، وبكسر الهاء وبهمزة ساكنة بعدها ، وفتح التاء وضمها . وهي في هذه اللغات اسم فعل بمعنى ( تعال ) . واللام لتبيين المفعول أي المخاطب . ونقل عن الفرّاء أنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها .